بصفتي مبرمجاً، أتعامل يومياً مع أسطر برمجية (Code) مجردة من المشاعر. بالنسبة لي، الكود هو منطق بحت: مدخلات ومخرجات، True أو False. لكن مع تصاعد الأحداث الأخيرة والمشاحنات التي تعصف بمنطقتنا، توقفت للحظة لأراقب المشهد بصدمة. كيف تحولت هذه الأسطر البرمجية الصامتة إلى آلة ضخمة تغذي الكراهية والعنصرية؟ كيف أصبح الصوت العالي والمستفز هو السائد، بينما يُهاجم العقلاء والمثقفون ويُجبرون على الانسحاب والصمت؟
الحقيقة المرة التي أعرفها من داخل "المطبخ التقني" هي أن هذا ليس صدفة، بل هو نتيجة "هندسة" متعمدة لانتباهنا.
كيف تعمل الآلة؟ (حلقة الربح اللانهائية - Infinite Loop)
لكي نفهم جذور المشكلة من منظور هندسي، يجب أن نفهم القاعدة الأساسية التي بُنيت عليها جميع منصات التواصل الاجتماعي. كمبرمجين، نعلم أن الهدف الأسمى لأي منصة يتلخص في حلقة تكرارية بسيطة (While Loop) تعمل كالتالي: "طالما أن المستخدم نشط، اعرض له المزيد while (user.is_active)".
لماذا؟ لأن المعادلة التجارية هنا مجردة وصارمة: وقت أطول على الشاشة = عرض إعلانات أكثر = جمع بيانات أكثر = أرباح مليارية للشركات. نحن لسنا مجرد مستخدمين؛ انتباهنا وانفعالاتنا هي "السلعة".
الخوارزمية لا تمتلك "مُرشّح أخلاقي" (Moral Filter)، ولا توجد فيها عبارة شرطية (If-Statement) لتميّز بين المحتوى "العنصري المسيء" والمحتوى "العميق والهادف". هي مجرد دوال رياضية تبحث عن تعظيم متغير واحد فقط: معدل التفاعل (Engagement Rate).
ومن خلال تحليل البيانات الضخمة لسلوكنا، لم تكتشف الخوارزمية مجرد "ثغرة" (Bug) عابرة في السيكولوجية البشرية، بل تم هندستها لتستغلها كـ "ميزة أساسية" (Feature). المشاعر الحادة كالغضب والاستفزاز والخوف تُعطي استجابة فورية وتدفعنا للرد والمشاركة بسرعة جنونية، بينما المحتوى العقلاني الموزون يتطلب معالجة ذهنية أبطأ. لذلك، تُكافئ الخوارزمية المحتوى المتطرف بالانتشار السريع، وتعمل ببرود على خنق الآراء العقلانية؛ لأن الهدوء ببساطة لا يُدر أرباحاً، وقد يدفعك للرضا وإغلاق التطبيق. ما نراه نحن كسقوط مجتمعي، تراه شركات التقنية كـ "تنفيذ برمجي مثالي" ومؤشر أداء مالي ممتاز.
اختطاف الخوارزمية: "مرتزقة التفاعل" واستغلال الثغرات (Exploitation)
ولأن الخوارزمية "تعبد" التفاعل وتعتبره المقياس الوحيد للنجاح، أصبح من السهل جداً اختراق هذا النظام الأعمى. قديماً، كان هذا الاختطاف يتم عبر شبكات من الحسابات الوهمية المبرمجة لضخ كميات هائلة من المنشورات لصناعة "تريند" مزيف.
أما اليوم، فقد تطور الأمر ليصبح "نموذج عمل تجاري" (Business Model). مع تفعيل أنظمة الدفع ومشاركة الأرباح في مختلف المنصات (النصية والمرئية)، ظهرت طبقة من "مرتزقة التفاعل" (Rage-baiters). هؤلاء عبارة عن حسابات موثقة وصُناع محتوى يتعمدون زرع "كود خبيث" —مجازياً— يتمثل في مقاطع فيديو أو منشورات مليئة بالعنصرية والاستفزاز. هم لا يؤمنون بالضرورة بما يطرحون، لكنهم يعرفون أن غضبك وشتائمك ستتحول لمشاهدات (Views/Impressions)، والتي ستُصرف لهم كدولارات في نهاية الشهر!
وهناك صنف آخر من "القراصنة الاجتماعيين" (Social Hackers) يتعمدون رمي طُعم مستفز لكي تفقد أعصابك وتسبهم؛ إما ليركبوا موجة الشهرة المجانية على ظهرك، أو ليلتقطوا صورة لردك (Screenshot) ويرفعوا عليك "قضايا جرائم معلوماتية" لابتزازك وتحصيل تعويضات مالية في المحاكم. أنت بالنسبة لهؤلاء لست خصماً فكرياً، بل "مشروع دخل".
ماذا يحدث حينها داخل غرفة الخوادم ؟
تقرأ الخوارزمية حجم الترافيك (Traffic) الهائل من الردود والشتائم المتبادلة، وتقع في خطأ برمجي يُعرف بـ "النتيجة الإيجابية الكاذبة" (False Positive)؛ فتظن أنه "موضوع يهم الجماهير"، وتقوم برفعه فوراً إلى واجهة المواضيع المتداولة (Trend).
هذا الاختطاف التقني يخلق وهماً خطيراً لدى الرأي العام بأن هذا الرأي المتطرف والانفلات هو "رأي الأغلبية". هذا الوهم يمنح الأصوات السطحية والمتطرفة شرعية، ويعمل في الوقت نفسه بمثابة هجوم حجب خدمة (DDoS Attack) ضد أصوات العقلاء، حيث يُغرق آراءهم المعتدلة في بحر من الضجيج، ويُرهبهم مجبراً إياهم على إيقاف تشغيل عقولهم والانسحاب بهدوء لتجنب هجوم جماعي كاسح إذا غردوا خارج هذا السرب المبرمج.
غرف الصدى (Echo Chambers): هندسة العزلة
بمجرد أن تضغط على ذلك "التريند" المسموم، أو تتفاعل معه حتى لو كان تفاعلك بدافع الرفض والرد المنطقي، تكون قد وقعت في الفخ. تبدأ أنظمة التوصية (Recommendation Systems) بجمع بياناتك، وتعمل على عزلك في ما يُعرف بـ "غرف الصدى".
يتم محاصرتك في فقاعة رقمية لا ترى فيها إلا الأشخاص الذين يشبهونك، أو المحتوى المستفز الذي يبقيك في حالة غليان مستمر. هنا تتضخم العنصرية وتصبح وحشاً؛ لأنك لا تتعرض لأي رأي مختلف بطريقة صحية، فتتوهم أن العالم بأسره يتبنى هذه الأفكار الحادة، وأي شخص يطرح رأياً مختلفاً أو يحاول مسك العصا من المنتصف يتم اعتباره "خائناً" يجب إقصاؤه وإلغاؤه.
الحلقة المفقودة: نحن شركاء في الكود
يجب أن نعترف بشجاعة أن الخوارزمية لا تخترع العنصرية من العدم، بل تستغل ثغرة في تكويننا النفسي تُعرف بـ "الانحياز التأكيدي" (Confirmation Bias). نحن كبشر نميل لا شعورياً إلى تصديق المعلومات التي تتوافق مع معتقداتنا ومخاوفنا المسبقة. الخوارزمية تفهم هذه الثغرة البشرية جيداً، فتقدم لنا ما نود رؤيته لتعزيز شعورنا بالانتصار، محولةً التحيز البسيط في داخلنا إلى كراهية صريحة وعداء للآخر.
كيف نُهكر تجربتنا؟ (خطوات للنجاة)
هل نستسلم للآلة ونتركها تبرمج سلوكياتنا؟ كمستخدمين، ومبرمجين لعقولنا قبل كل شيء، يمكننا "تهكير" هذه التجربة العكسية وحماية صحتنا النفسية والمجتمعية عبر خطوات بسيطة:
التجويع الرقمي: الخوارزمية تتغذى على انتباهك قبل تفاعلك. لا تعلق، لا تشارك، ولا حتى تعيد نشر المحتوى العنصري والمستفز لترد عليه بحجة توضيح الحقيقة. والأخطر من ذلك؛ حتى مجرد توقفك عن التمرير لمشاهدة مقطع فيديو أو قراءة منشور بصمت، يُحسب برمجياً كـ "زمن بقاء" (Dwell Time) وتترجمه الآلة كإشارة اهتمام صريحة. غضبك، ردك، وحتى فضولك الصامت هو الوقود الذي ينشر هذا المحتوى ويضاعف أرباح صُناعه. التمرير الفوري (Scroll) والتجاهل التام هو السلاح الوحيد الذي يخنقه ويجبر الخوارزمية على تصنيفه كبيانات مهملة.
كسر الفقاعة المتعمد: ابحث بنشاط عن حسابات عقلانية وآراء معتدلة، حتى تلك التي تختلف معك قليلاً، وتفاعل معها (بالإعجاب أو القراءة المتأنية). هذا السلوك يعيد تدريب الخوارزمية ويجبرها على إخراجك من غرفة الصدى.
الوعي بالوهم الرقمي: تذكر دائماً أن ما تراه في الشاشة أو في "التريند" ليس الشارع الحقيقي ولا يمثل كل الناس. هو مجرد انعكاس لـ "المحتوى الأعلى تفاعلاً"، فلا تدع الأقلية الصاخبة تقنعك بأنها الأغلبية الساحقة.
في النهاية، التكنولوجيا مجرد أداة، ونحن من يقرر كيف نستخدمها. لنجعل من وعينا "الجدار الناري" الذي يحمي عقولنا من هذا التلاعب المبرمج، ولندعم أصوات العقل قبل أن تختفي تماماً تحت ضجيج الخوارزميات.
شارك في النقاش
يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة تعليق والتفاعل مع المحتوى.
تسجيل الدخول باستخدام حساب Google